مصطفى صادق الرافعي
39
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
جدا ، فلما تقاصرت الهمم اقتصروا مما يوافق خط المصحف على ما يسهل حفظه وتنضبط القراءة به ، فنظروا إلى ما اشتهر بالثقة والأمانة وطول العمر « 1 » في ملازمة القراءة به والاتفاق على الأخذ عنه ، فأفردوا من كل مصر إماما واحدا ، ولم يتركوا مع ذلك نقل ما كان عليه الأئمة غير هؤلاء من القراءات ولا القراءة به كقراءة يعقوب ، وأبي جعفر ، وشيبة ، وغيرهم . قال : وقد صنف ابن جبر المكي مثل ابن مجاهد كتابا في القراءات فاقتصر على خمسة ، اختار من كل مصر إماما ، وإنما اقتصر على ذلك لأن المصاحف التي أرسلها عثمان كانت خمسة ، إلى هذه الأمصار ، ويقال إنه وجه بسبعة : هذه الخمسة ومصحف إلى اليمن ، ومصحف إلى البحرين ، لكن لما لم يسمع لهذين المصحفين خبر وأراد ابن مجاهد وغيره « مراعاة عدد المصاحف » استبدلوا من مصحف البحرين واليمن قارءين كمل بهما العدد . ا ه - « 2 » . وأول من تتبع وجوه القراءات وألّفها وتقصى الأنواع الشاذة فيها وبحث عن أسانيدها من صحيح ومصنوع ، هارون بن موسى القارئ النحوي المتوفى سنة 170 ه - . وكان رأسا في القراءة والنحو ، ولكن أول من صنف فيها إنما هو أبو عبيد القاسم بن سلام الراوية المتوفى سنة 224 ، وكان أول من استقصاها في كتاب . ويقال إنه أحصى منها خمسا وعشرين قراءة مع السبع المشهورة . وجوه القراءة ومنذ بدأت القراءة تتميز بأنها علم يتدارس ويتلقى ، بدأت فيها الصناعة العلمية ؛ فحصرت وجوهها وعينت مذاهبها ومن شأن كل علم أن يكون ضبط الصحيح فيه حدّا لغير الصحيح ، وقد تكون الأمثلة التي تنزع من العلم للتمثيل بها على صحيحه مما يقتضي التمثيل بضدها على فاسده ، فتقلب القاعدة أو الكلمة على وجوهها المتباينة مما اطّرد أو شذّ ؛ وبهذا يدلّ على المذاهب الضعيفة ويطرّق إلى معرفتها . فعسى أن يكون فيمن يقفون عليها من تنقطع به المعرفة عندها ، أو يقف به الهوى على حدّها ، أو يعجبه منها إن كان له أن يكون صاحب غريب ، وأمره عند العامة والجمهور ما عرفت في باب الرواية « 3 » وأن يتدافعه الناس من رادّ معه ورادّ عليه ، أن يكون هو ضعيف البصر بهذا الأمر قليل التمييز فيه ، أو يكون خبيث الدخلة مستجمّ الباطل ، أو من أصحاب العلل
--> ( 1 ) تأمل حكمة هذا الشرط ففيه معان كثيرة . ( 2 ) وقال بعض العلماء : التمسك بقراءة سبعة من القراء دون غيرهم ليس فيه أثر ولا سنّة وإنما هو من جمع بعض المتأخرين فانتشر ، وأوهم أنه لا يجوز الزيادة على ذلك ، وذلك لم يقل به أحد . وعندهم أن أصح القراءات من توثيق جهة سندها : نافع . وعاصم ، وأكثرها توخيا للوجوه التي هي أفصح : أبو عمرو ، والكسائي . ( 3 ) الجزء الأول من تاريخ آداب العرب .